كتاب ثلاثية غرناطة
تخيّل إنك قاعد في بيتك بشكل طبيعي، وفجأة لاقيت نفسك مضطر إنك تسلّم البيت لحد غريب، وتوقّع معاه اتفاقية تخلّيه يسيطر على كل حاجة، من غير ما تحاول تدافع أو تقاوم. وكأن ده مش كافي، أهل بيتك نفسهم بيوصفوك بالضعف لأنك ما حاربتش. الأمر في الموضوع إن القصة دي مش من نسج الخيال، ده حصل فعلاً، وممكن يتكرر في أي وقت.
ثلاثية غرناطة مش مجرد رواية، هي ثلاث روايات في جيل ورا جيل، بتحكي عن ناس حقيقيين عاشوا في مدينة تتآكل من جوّاها، وبتديك نظرة مختلفة خالص على التاريخ وعلى معنى الهوية والانتماء.
غرناطة
في واحدة من أقسى أيام الشتاء، كان الشيخ أبو جعفر الوراق قاعد يفكر في الحال اللي وصلت ليه غرناطة. أبو جعفر مش بس واحد من أشهر مجلّدي الكتب في المدينة، ده شيخ عنده وزن وقيمة بين الناس. والخبر اللي وصله عن غرق موسى بن أبي غسان، آخر من قاوم القشتاليين، زاد من إحساسه بالضياع.
غرناطة في الوقت ده كانت معلّقة بين خوف ورجاء. الناس بتسمع كل يوم عن اتفاقية التسليم اللي فرضها الملك فرديناند والملكة إيزابيلا، والشروط كانت ما تتحملش. فيه ناس استسلمت وقالت ده القدر، وفيه ناس زي أبو جعفر كانت شايفة إن لو سلّمنا النهاردة، مش حنلاقي بكره لا مسجد ولا كتاب.
في ورشته الصغيرة لتجليد الكتب، كان أبو جعفر بيربّي صبيّين: نعيم، اليتيم اللي لقاه في الشارع وقرر يعلّمه الحرفة، وسعد، الجاي من ملقة بعد ما القشتاليون دمّروا مدينته. سعد كان بيبذل أقصى جهده في الورشة، بيغلّف الكتب ويحافظ عليها ويكتب أسماء مؤلفيها بماء الذهب، بينما الشارع من برّه كان بيتغيّر كل يوم للأسوأ.
في اليوم اللي شافوا فيه الجنود القشتاليين وهما بيرفعوا الصليب الفضي على أبراج الحمراء، صرخ سعد في الناس إن القلعة اتفتحت. اللحظة دي كانت بداية النهاية، وسقطت المدينة في صمت ثقيل. أبو جعفر دخل في حالة من الانكسار، بقى ما يقدرش يتكلم أو يعبّر، غير إنه فضل يُعلّم سعد ونعيم.
في البيت، كان بيعيش معاه حفيداه حسن وسليمة، أولاد ابنه جعفر اللي مات. حسن كان حالم إنه يبقى خطّاط، وسليمة كانت محبة للقراءة والتعلم، مهتمة بكل حاجة حواليها، من حفظ القرآن لأخبار اكتشاف كولومبوس للعالم الجديد. إحساس الشاب اللي عنده أهداف ومتطلعات وشايف المدينة بتتهاوى من حواليه ده كان جرح مزدوج.
ومرّت الأيام لحد ما دخلت قوافل التعذيب المدينة، وبدأ القساوسة في إحراق الكتب. جرى نعيم على أبو جعفر بخبر إن الكتب بتتحرق في منطقة باب الرملة، فجرى الشيخ للميدان وشاف بعينيه المصاحف والمخطوطات والأوراق النفيسة وهي بتلتهمها النيران. حفيدته سليمة كانت ماسكة إيده وهي بتسأله بصوت خايف: "أكيد يا جدي مش بيحرقوا الكتب، مش كدة؟"
أبو جعفر رجع البيت في تلك الليلة وقال لمراته جملته الأخيرة: "أنا حموت وحيد، أنا مش حقدر أكمل في العالم ده." وبالفعل مات أبو جعفر، وماتت معاه روح الكتب في غرناطة.
الحياة استمرت، وقرر سعد إنه يتقدم لسليمة. الجواز ده كان أكبر من مجرد فرح، كان تمسّك بآخر خيط من حلم اسمه غرناطة. وبرغم الحصار، احتفل الناس بالزواج لأن الفرح كان تحدياً بحد ذاته.
لكن لما اعتدى رجل من رجال الكنيسة على فتاة مسلمة، خرجت الناس من بيوتها وارتفعت أصوات الثورة من مسجد البيازين: "المدينة دي بتاعتنا وحنفضل فيها أحرار أو حنموت واقفين." الثورة اتسحقت، وتعلّقت أجساد الشباب على المشانق. بعض الأغنياء اتنصّروا للحفاظ على تجارتهم، والفقهاء اضطروا للرحيل، وبقى الفقراء والنساء والأيتام يتأقلمون مع واقع غيّر كل حاجة. ومع الوقت اتولّد جيل جديد ما بيعرفش عربي ولا مسجد ولا حتى اسم غرناطة.
مريمة
مرّ نص قرن على سقوط غرناطة، جيل كامل انقضى. بيت أبو جعفر الوراق اتحوّل لأثر قديم، وسط مدينة اتغيّرت بشكل مرعب: المساجد بقت كنايس، واللغة العربية اختفت من الشارع، والناس بتمشي خايفة من المسيحيين القشتاليين.
حسن حفيد أبو جعفر كان بيسكن البيت القديم مع مراته مريمة، ست قوية وطيبة، لكن حسن بدأ يشيخ وينسى العالم من حواليه. كان عندهم حفيد اسمه علي، شاب ذكي بيتعلم في المدرسة الإرسالية الإسبانية، وفي نفس الوقت كان بيتعلم الحروف العربية سراً في الليل، كأنه بيعمل جريمة.
في يوم جاء نعيم، الصبي القديم في ورشة أبو جعفر، وده كان شايل هموم الدنيا على وجهه زي ما كان أبو جعفر في آخر أيامه. نعيم فقد مراته وابنه وكل حياته اللي كان بيعيشها. استقبله حسن ومريمة، لكنه ما قدرش يكمل كثير ومات بعد فترة قصيرة.
القوانين الجديدة بدأت تمنع المسلمين من لغتهم وملابسهم وكل مظاهر هويتهم، لدرجة إن المسلم بقى غريب في بلده. ده أشعل ثورة البشرات، اللي شارك فيها كثير من الشباب، من بينهم صاحب علي فيدريكو. وبرغم إن المسلمين كانوا أقل عدداً وأضعف عدة، إلا إنهم حققوا انتصارات كبيرة. لكن الخيانة من الداخل والتحالف الإسباني الإيطالي أنهى الثورة.
بعد القضاء على الثورة، أمرت الحكومة بترحيل المسلمين من غرناطة. اضطرت مريمة إنها تاخد حفيدها علي في قافلة طويلة مع المطرودين. في الطريق بدأت الحمى تشتد بيها، وضعفت شيئاً فشيئاً لحد ما ماتت في أحضان علي بعد ما طلبت منه إنه يحافظ على الكتب والمفتاح القديم.
بعد ما دفن علي جدته، قرر إنه يرجع سراً ويأخذ الكتب. في نص الليل ركب حصان واتجه لغرناطة، دخل البيت القديم ولقى الكتب، لكن قبل ما يقدر يكملها في مخبئها الجديد، لقى نفسه محاصر من السلطات بعد ما بلّغ عنه عامل إسباني كان بيشتغل معاه. هرب علي وأخذ معاه الكتب والمفتاح.
الرحيل
هرب علي من غرناطة حاملاً صندوق الكتب ومفتاح بيت جده الكبير، واتجه لقرية الجعفرية جنب فالنسيا، اللي كان ساكنها مسلمون من الأندلس والبربر. الناس هناك كانوا في نفس الموقف: بيتمسكوا بأي شظية من الإسلام واللغة، وفي نفس الوقت بيتظاهروا إنهم نصارى.
استقبله شيخ القرية عمر الشاطبي وطلب منه إنه يفضل. وبدأ علي يعلّم أولاد القرية العربية سراً، اللغة اللي كانت بتختفي أصلاً.
علي كان في آخر عشريناته وعجب ببنت من عيلة التهامي اسمها كوثر، لكنها كانت عندها مشاكل كبيرة مع أهلها، وبالأخص أبوها. فسابت القرية وراحت فالنسيا وشغّلت نفسها بياعة سمك. علي سافر وراها وطلب منها الجواز وإنها ترجع معاه، لكنها رفضت. ومرت السنين لحد ما عرف إنها اتجوزت من مسيحي وجابت منه بنت من جيل ما عادش يعرف إنه مسلم.
مرت فترة والحاكم الإقطاعي زاد الضرائب على أهل القرية من زيت وخروب وزبيب، وعمر الشاطبي كان بيحاول يفاوض ويخفف. وفعلاً تنازل الحاكم مرة، وفرح أهل القرية بنفَس من الراحة. لكن الحاكم ما كانش بيشوفهم إلا كعبيد يشتغلون عنده، فبعت فرسانه المسلحين بلا إنذار، وبدأت حملة اعتقال وقتل.
لما وصلهم خبر هزيمة الأسطول الإسباني أمام الإنجليز، حلموا بثورة، لكن الدولة قضت على الفكرة قبل ما تبدأ. ومات الشيخ عمر وبقيت القرية بلا قائد. وجاء الأمر الملكي الأشد قسوة: ترحيل كل المورسكيين، بقايا أهل الأندلس، من إسبانيا كلها.
انقسم أهل القرية: فيه ناس قررت تقاوم للنهاية وفيه ناس اختارت الرحيل. علي كان ضمن من حيتم ترحيلهم لشمال أفريقيا. لكن فجأة ولّى ظهره للسفن وجرى بعيداً، وقف يتأمل ما تبقى من الأندلس: صندوق الكتب القديمة والمفتاح الصدئ، آخر ما يربطه بغرناطة. وبرغم إنه ما كانش عنده خطة ولا حل، إلا إنه كان مصر على إنه ما يستسلمش.
"ابكِ كالنساء ملكاً لم تحافظ عليه مثل الرجال.."
— عائشة الحرة (والدة آخر ملوك غرناطة)

