كتاب الذين ضحكوا حتى البكاء
في بعض الأحيان لما بتقرأ لكاتب معين بتكون عارف مسبقاً الأجواء اللي داخل عليها وشكل التجربة اللي هتعيشها مع صفحات الكتاب. لكن في نوعية تانية من الأعمال الأدبية والروايات بتقدم لك طابع مختلف كلياً وتجربة فريدة من نوعها، وده بالضبط اللي بنلمسه لما بنفتح صفحات كتاب "الذين ضحكوا حتى البكاء". هو عمل من الأعمال الجميلة جداً، وفي نفس الوقت مش بيتصنف ككتاب بيعالج موضوع واحد أو فكرة منفردة، لكنه بضم بين جنباته حكايات متعددة ومجموعة من القصص المميزة والمتنوعة. كل قصة هتمر عليها هتلاقي فيها متعة وسرد جذاب، وفي نفس الوقت هتنتهي منها بفكرة جديدة ودرس عميق تستفيده.
القصة الأولى: أسير الماضي
صبحي شاب في غاية البساطة، بيمارس مهنته كصيدلي بانتظام، وفي يوم عيد ميلاده بيواجه صدمة عمريته لما بيكتشف إنه مصاب بمركز ورم في المخ، وأن المهلة المتبقية له في الدنيا بقت قصيرة جداً. لكن المرض على قسوته ما كانش المحطة الأصعب في حياته، بل كانت الأزمة الحقيقية هي عقدة نفسية ضاربة في عمق شخصيته، ومأثرة على كيانه بالكامل؛ وهي حادثة مقتل أبوه قدام عينيه وهو طفل صغير على إيد رجل من أصحاب النفوذ والسلطة في بلده.
بتمر الأيام والأشهر، وفي يوم من الأيام بتقام احتفالية الرسمية في القرية اللي بيعيش فيها، وبيحضر الفعالية دي أبرز الشخصيات والمسؤولين. وفي وسط الزحمة بيصادف صبحي نفس الشخص اللي قتل أبوه وكان السبب المباشر في تعاسته وضياع طفولته. وهنا صبحي بياخد قرار غير متوقع وما يخطرش على بال حد؛ بيطلع المسدس من جيبه وبيرمي القاتل برصاصة انتقام تشفي غليله.
لكن الرصاصة دي اتواجهت برد فعل سريع وفوري من حرس الرجل، وما لحقش صبحي حتى يستشعر طعم الانتقام أو يذوق لحظة الانتصار. الجزء القاسي في النهاية إن صبحي دلوقتي مش بس بيموت عضدياً وتدريجياً بسبب الورم اللي في دماغه، لكنه كمان بيفارق الحياة وهو بيضحك ضحكة سودا ساخرة، بيضحك لأنه بيتقتل فعلياً وهو أساساً ميت روحياً وجسدياً قبل ما يطوله رصاص الحرس.
القصة البسيطة دي بتطرح حقيقة في غاية الأهمية: إياك تخلي حياتك كلها عبارة عن مشروع للانتقام؛ لأنك ممكن تضحي بعمرك كاملاً عشان تكسب ثانية واحدة تغير مجرى حياتك وتخسرها للأبد من غير ما تقدر ترجعها تاني. الإنسان اللي بيعاني من جراح قديمة في حياته محتاج يفتش عن المسار الصحيح ويواجه أزماته بدل ما يخلي الثأر والانتقام هو المحرك الرئيسي لهويته ووجوده، وافتكر دايماً إن أضخم خسارة ممكن تتكبدها هي إنك تعيش سنوات عمرك مقيد كأسر في سجن الماضي.
القصة الثانية: نهاية الشبح
كان في سابق الزمان رجل بيمتلك ثروة طائلة وعاش سنوات طويلة في رغد وغناء فاحش، غناء وصل له عن طريق التجارة القذرة وأعمال غير مشروعة. الأموال اللي جمعها كانت قايمة في الأساس على عمليات التهريب والفساد. وطوال حياته كان بيربي أولاده على إن الفلوس هي مصدر القوة الوحيد، وأن الذكاء الحقيقي بيكمن في كيفية تحويل المبالغ الزهيدة لملايين ضخمة بشتى الطرق بغض النظر عن مشروعية الوسيلة.
ودارت السنين وكبر الرجل في السن بشكل كبير، لحد ما وصل لمرحلة الاحتضار ودنو الأجل. وفي اللحظات الأخيرة دي، طرأ تحول كبير على تفكيره، وشعر بأن الموت خلاص على الأبواب وإن كل بنيانه المالي بيتداعى، فقرر إنه يكتب وصية جديدة بالكامل: يخصص جزء صغير جداً من الثروة لأولاده، بينما يوجه الكتلة الكبرى من الأموال للمشاريع الخيرية والوجوه الدينية.
الأبناء لما عرفوا بفحوى الوصفية بدأوا يوجهوا له لوم شديد وانتفاضة غضب، وقالوا له إنك أنت اللي زرعت فينا الطمع وجشّعتنا على نمط الحياة ده، وجاي في أخر لحظة تتوب وتسحب الفلوس من تحت إيدينا. طبعاً الأب كان غارس فيهم تنشئة فاسدة جداً وكان السلاح هو لغة الفصل في اللحظات الحشجة دي. ولما فاضت روح الأب، اشتعل الخلاف بين الإخوة على تقاسم الثروة، وتحول الأمر تدريجياً لمجزرة دامية بين الأخوة لحد ما قدر واحد منهم يتخلص من الباقيين ويستحوذ على المال بالكامل.
وبعد ما قضى على إخوته تماماً، قرر في يوم إنه يهرب بالثروة كلها، أخد عربيته وانطلق وحس إنه أخيراً حاز الملايين وبقى السيد المطاع. لكن بيحصل الشيء اللي ما كانش في حسابه إطلاقاً: العربية بتتعطل في قلب الصحراء المقفرة. وبيلاقي نفسه وحيد ومقطوع في العراء، معاه أكياس الأموال لكنه محاصر بالرعب والعطش القاتل والخوف من الهلاك. كل الفلوس اللي كان بيقاتل عشانها أصبحت في اللحظة دي مساوية تماماً للرمال الممتدة حواليه مالهاش أي قيمة أو فائدة.
لما نتأمل الحكاية دي، بنكتشف معنى مهم جداً؛ وهو إن الفلوس عمرها ما كانت محدد لهوية البني آدم، ومهما بلغت قيمتها في مرحلة معينة، مش هتسعفك في لحظات معينة. الأموال ممكن تساعدك تتنقل وتعيش حياة رفاهية، لكن عند نقطة محددة بتفقد كل قيمتها لو كانت مجردة من القيم والأخلاق.
القصة الثالثة: حكاية مدير بنك
الأحداث بتبدأ مع موظف بسيط جداً بيشتغل في القطاع المالي، بدأ يطور من قدراته ويزود معارفه لحد ما قدر يوصل لمنصب مدير بنك. رحلته طويلة دي غيرت كتير في طبيعة شخصيته؛ الفلوس بالنسبة له ما بقتش مجرد مرتب آخر الشهر، لكنها تحولت لنفوذ وسلطة، والسلطة دي فتحت قدامه أبواب وفرص كتير خلته راجل مرموق ومثقف وله احترام في المجتمع.
المنصب خلاه يتعمق في عالم الأرقام والتجارات ويفهم نفوس البشر وخباياهم. لكن في نفس الوقت، النفوذ بيدي الفرد تسهيلات وعمولات وإمكانية لاستخدام الأبواب الخلفية الوصول لأهداف صعب غيره يوصل لها. بالإضافة إلى إن موقع النفوذ بيمكن صاحبه من بناء شبكة علاقات مع كبار الشخصيات، ومع الوقت بيحس إنه يقدر يعمل أي حاجة من غير رادع.
التطورات استمرت لحد ما بدأ يتعمق في شبكات النفوذ والتلاعب في الملفات البنكية الحساسة. في البداية ما كانش شايف إن تصرفه فيه مشكلة، وكان بيبرر لنفسه إنه بياخد حقه وبيكافئ تعبه أو بيستفيد زي غيره. وسنوات المنظومة اللي عاش فيها كانت بتسمح بفوضى وفساد وتواطؤ، مناخ كامل بيخلي السرقة نوع من الشطارة والذكاء.
لكن الشيء اللي غفل عنه، إنه مع الوقت وقع في فخ أشد خطورة من جمع المال، وهو فخ الغرور والصلف. لما بتوصل لكرسي كبير ومعاك علاقات قوية، فكرة إنك إنسان عادي ممكن يتساءل أو يتحاسب بتختفي من دماغك، بتعتقد إنك فوق القانون وبتتعامل بتبجح مع الخلق. لكن فجأة بيلاقي نفسه في موقف خارج عن السيطرة: بيخضع للتحقيق، ويسقط في فضيحة مدوية، ويدخل السجن لتنقلب حياته رأساً على عقب.
جوا الزنزانة وبين أربعة حوائط، بدأ يراجع شريط حياته ويتأمل المسار اللي وصله للنهاية دي. ومع عزلت واعتكافه، اكتشف إن الأزمة مش في إنه سرق مرة أو أخطأ مرة، لكن المرة الأولى بررت المرة الثانية لحد ما أتحولت عادة، والعادة شكلت شخصية فاسدة بالكامل. ووصل في نهاية تأمله لمعنى يخوف: الإنسان ممكن يخدع الناس والقانون لفترة، لكن الحساب قادم لا محالة سواء في الدنيا أو الآخرة.
في ثلاث دروس رئيسية بنستخلصها من القصة دي:
أولاً: خطورة التبرير
أخطر مرحلة هي التبرير، كل فساد ضخم بيترتب على عبارات صغيرة زي: "خليني أجرب مرة"، "ما كل الناس بتعمل كده"، "محدش هياخد باله". العبارات دي بتبدو بسيطة لكنها بداية الانحدار والسقوط.
ثانياً: وضع حدود وقواعد ذاتية
ضرورة وضع حدود وضوابط لنفسك في التعاملات المادية والعلاقات، والمراجعة والشفافية الدائمة مع الذات، والتحلي بالمسؤولية تجاه الآخرين خاصة لو كنت في موقع مسؤولية.
ثالثاً: عدم جعل المنصب اختباراً للأخلاق
لا تجعل كرسيك وموقعك اختباراً لأخلاقك؛ لأن السلطة كاشفة، ولو ما كنتش ثابت ومتحصن، هتحولك المنظومة مع الوقت لنسخة أسوأ بكثير من نفسك.
القصة الرابعة: طفل أنابيب
تخيل أن تكون عندك القدرة على رسم مستقبل إنسان واستخدام العلم المتقدم لتحقيق سبق غير مسبوق. ده كان محور تفكير الدكتور ناجي، الحاصل على الدكتوراه في الهندسة الوراثية، والملقب بـ "عالم بالفطرة" لتميزه العالي وتبحره في تخصصه. دكتور ناجي كان متزوج من امرأة إنجليزية اتعرف عليها خلال دراسته في إنجلترا، ورجعوا سوا للقاهرة بعد ما عين مديراً لمركز أبحاث، واستقروا في شقة واسعة على النيل. ولأنه شغوف بعلمه، حول بعض الغرف لمختبر خاص بيقضي فيه الليل والنهار وينام جواه أحياناً.
دكتور ناجي كان هدفه يخوض تجربة غريبة: عاوز يخلف طفل ويحدد بنفسه مستوى ذكائه وجهوزيته الجينية، طفل غير عادي تماماً. وعشان كده استبعد الفكرة التقليدية وقرر يلجأ لتقنية أطفال الأنابيب (IVF) والتلقيح الصناعي، مع إدخال تعديلاته وتجاربه الخاصة على العملية. وبدأ في ممارسة نوع من العبث العلمي عبر تشريح البويضة البشرية وفصل جينات وإضافة أخرى، للوصول لما يشبه "سوبرمان" بشري بذكاء وقوة خارقة.
في المقابل، كانت زوجته بتعيش حالة من اليأس والجفاء، وبحكم خلفيتها شافت إن من حقها البحث عن شريك أو عشيق آخر للحمل بطريقة طبيعية. واستمرت حياتهما على هذا الازدواج: هو غارق في أبحاثه بالمختبر، وهي تبحث عن حلم الأمومة بطريقتها. وبعد شهور طويلة من التجارب، استطاع دكتور ناجي تركيب الجنين المثالي جينياً، وقام بحقن زوجته لنقل الجنين المنتظر، ولم يتبق أمامه سوى الانتظار لتسعة أشهر.
مع مرور الأشهر، كان شغفه وفضوله بيزيدوا وصبره بينفد من الانتظار والرهبة. ولما حانت لحظة الولادة، نقلها لأرقى المستشفيات وأشرف عليها كبار الأطباء. لكن المولود خرج طفلاً طبيعياً للغاية، لا يحمل أي ميزة خارقة، بل و لاحظ الأطباء صمته الغريب وعدم صراخه المعتاد، ليتكتشفوا إصابته بكوارث صحية: الطفل لا يسمع، وأغلب الظن أنه يفقد البصر والكلام أيضاً.
وجهت الزوجة اتهامات مباشرة للدكتور ناجي بأنه جعل منها ومن الطفل حقل تجارب لغروره وجهله، وتحول البيت لمكان كئيب وشجارات مستمرة. وفي وسط هذا الجحيم، بدأ الشك يتسلل لعقل دكتور ناجي بخصوص نسب الطفل وأن الجنين قد لا يكون هو الذي زروعه. وأجرى تحاليل مخبرية أكدت شكه: الطفل ليس ابنه الجيني. ولما واجه زوجته بالخيانة، ردت ببرود إنجليزي مؤكدة الحقيقة، واتهمته في المقابل بخيانة مهنته وارتكاب جرم في حق العلم.
اشتد الصدام وانفجر دكتور ناجي غضباً وتطور الأمر لعراك جسدي، ودخل في حالة اندفاع أفقده وقاره العلمي وهالته الاجتماعية، وأخذ يصرخ مستفسراً عن هوية الأب الحقيقي. وفي تلك اللحظات يدق جرس الباب، ويدخل رجل رياضي بفتوة بدنية، فيسأل الدكتور بغضب: "هل هذا هو الأب؟"، ويندف نحو الرجل لخنقه، لكن الأخير يدقعه بقوة لتصطدم رأس الدكتور بالزاوية الحديدية لدولاب الملابس ويسقط فاقداً للحركة تماماً.
اقترب الاثنان منه لفحص نبضه، وتحتضنه زوجته قائلة ببرود: "يا حبيبي كل هذه أمور تافهة، لم عملت كل هذا؟"، دون أن تتلقى إجابة لأنه كان قد فارق الحياة. وتنتهي القصة بنهاية مأساوية لعالم أراد التحكم في المورثات ولم يستطع السيطرة على بيته أو حياته، ليقتل على يد عشيق زوجته. فالغرور العلمي بدون وازع أخلاقي يصنع المآسي، والأسرة ليست مشروعاً لإثبات الذات أو العبقرية، والخيانة تفكك الهوية والأنساب وتدفع المجتمعات ثمنها غالياً.
