كتاب الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان
المنتجات الحضارية اللي بنتعامل معاها يومياً أسلوبها مبني على البساطة والفردية الشديدة. زجاجة الكوكاكولا مثلاً هي سلعة نمطية بتنزل بسرعة وتتشرب بسرعة وما تختلفش من مكان للثاني، ومع الوقت بتخلي المشتري يدمنها ويتحول لمستهلك دائم. الهمبرغر نفس الكلام وبنفس المواصفات. السلع دي معمولة عشان تضمن السهولة ومش الجمال، البساطة ومش التركيب، وتزود سرعة الإنسان بدل ما تخليه يتأمل ويتريث. نمط الحياة ده مش مجرد استهلاك عادي، ده ناتج عن فلسفة معينة هي "الأمركة"، والأمركة بالمعنى ده هي علمنة كاملة. الهجوم ده مش بس حضاري لكنه فلسفي وعقائدي؛ لأنك يوم ما تتبنى النمط ده، أنت بتتبنى رؤية كاملة للوجود. لما تأسس مدينة شوارعها واسعة ومبنية للسيارات والأكل السريع، أنت بتبني مدينة علمانية حتى لو حطيت في كل شارع مسجد.
تخيل نفسك ماشي في شارع زحمة، كل حاجة حواليك متحسبة بالمللي، عايش في أكتر مكان في العالم بيعتمد على العلم والتكنولوجيا والمادة. بس هل سألت نفسك: الإنسان فين وسط كل ده؟ هل هيفضل إنسان، ولا هتحول لشيء من ضمن الأشياء؟ هل إحنا مجرد مادة زي أي مادة في الكون؟ لو ماشي في الشارع ودست على رجل حد وقلت له "أنا آسف"، قدامك ردين: يا إما يقولك "ولا يهمك"، أو يقولك "أصرفها من أنهي بنك دي؟". الرد الثاني ده معناه إن الاعتذار تعبير عن حزن إنساني معنوي، والمعنوي مش مادي، والمادي في العالم ده هو اللي له قيمة بس، فالكلمة بتلخص فلسفة بتقول إن الإنسان مادة وحسب، وأن العالم حلبة صراع.
يقدم الدكتور عبد الوهاب المسيري في هذا الكتاب تحليلاً عميقاً لكيفية تفكيك الإنسان في ظل الفلسفة المادية، من خلال 5 محاور رئيسية: المادة والبعد المتجاوز، أسباب جاذبية الفلسفة المادية، الفرق بين المرجعية المتجاوزة والمرجعية الكامنة، أزمة العقل والأداة، وأخيراً نتائج المادية في الواقع أو ما يُعرف بالقفص الحديدي.
1- المادة والبعد المتجاوز
إجابتك على سؤال "هل الإنسان كائن مادي فقط؟" هي اللي بتحدد النموذج المعرفي اللي بتشوف بيه كل حاجة. الصورة الأولى هي البعد المادي، الجسد اللي بيخضع لقوانين الطبيعة وبيحتاج يأكل ويشرب وينام ويتأثر بالمرض والطقس، وده بعد واضح ومحدش يقدر ينكره. البعد ده هو اللي بيغري الماديين لأنهم بيقدروا يقيسوه ويرسموه في أرقام وبيانات وتوقعات.
بس فيه صورة ثانية هي البعد الإنساني المتجاوز، شيء ما تقدرش تشوفه أو تحطه في معادلة: الحس الأخلاقي زي الإحساس بالذنب والتضحية عشان قيم أو عشان غيرك؛ الحس الجمالي لما تهزك قصيدة أو تبكي من مشهد في فيلم؛ الحس الوجودي والديني وسؤالك عن الغاية والمعنى؛ بالإضافة للإرادة الحرة اللي بتخليك تقول "لا" حتى لو مصلحتك المادية بتقول "نعم". الإنسان ظاهرة مركبة ما ينفعش اختزالها في البيولوجيا بس.
المشكلة الكبرى في المادية هي "الاختزال القسري"؛ هي مش بس بتفسر الظواهر المادية، دي بتصر تفسر كل شيء بما فيه المعنوي والإنساني كأنه جماد. ولما تتلغي المسافة بين الإنسان والطبيعة، الإنسان بيتشفط جوه النظام المادي وتبدأ رحلة التفكيك: يتفكك الضمير، ويتفكك المعنى، وتضيع الغاية، لحد ما يتفكك الكائن البشري نفسه.
المنطق المادي العلماني الصرف لو اتطبق على أب عنده 63 سنة وعاجز عن الإنتاج، هيكون الحل المنطقي لترشيد الموارد هو التخلص منه أو إحراقه، لأنه مستهلك بدون عائد. عدم قيامهم بده في الواقع بيثبت إن الإنسان العلماني أفضل من نموذجه الفلسفي وما يقدرش يعيش وحشيته الكاملة. في الغرب، لما يتعاملوا مع الإنسان بدفء وحب إنساني بيستجيب فوراً لأن جواه القبس الإلهي، لكن على مستوى النماذج والأنظمة الفيلسوف المسيري بيوضح إن الفرق بين ألمانيا النازية والمجتمعات الحديثة إن النازية كانت بتتخلص من كبار السن بالتسخين، بينما الغرب الحديث بيموتهم بالتبريد في دور المسنين، والدافع في الحالتين واحد وهو الترشيد الإنتاجي المادي.
2- الفلسفة المادية الجذابة
لو كانت المادية بالتفكيك ده، ليه الناس بتنجذب ليها؟ الجواب في سببين: الجاذبية المعرفية، والجاذبية النفسية. الجاذبية المعرفية جاية من سهولة ووضوح التفسير المادي؛ يقدر يقيس كل حاجة ويحولها لأرقام ونسب ومؤشرات سعادة وتقييمات بالنجوم، فتسود لغة الأرقام وكأن الواقع ما يعترفش إلا باللي يتقاس.
أما الجاذبية النفسية فجاية من الهروب من عبء الحرية والمسؤولية الأخلاقية. المادية بتقدم راحة مزيفة لما تخلي الإنسان مجرد جزء من منظومة أكبر، نتاج للظروف، أو تفاعل كيميائي واستجابة بيولوجية. بس الثمن غالي جداً: ذوبان الهوية الفردية، وسحب المسؤولية الأخلاقية من تحت رجليك، وتحول الإنسان من كائن صاحب معنى إلى مجرد رقم جوه الماكينة.
الغرابة بتظهر لما ينظر المادي لحجرين تحركوا فيقول ده بفعل إنسان، لكن لما ينظر للجمجمة البشرية بكل تعقيدها المذهل يقول إنها جت بالصدفة! إنكار الغيب بيخليهم ينسبوا للمادة قدرات معجزة مش عندها، فيستبدلوا المطلق الإلهي بمطلق ثاني اسمه المادة.
3- المرجعية المتجاوزة والمرجعية الكامنة
المرجعية هي الفكرة الجوهرية اللي بنرد ليها كل شيء وبتبني الرؤية الكلية للحلال والحرام والمعنى. المسيري بيقسم المرجعيات لمسارين: المرجعية النهائية المتجاوزة، والمرجعية النهائية الكامنة.
المرجعية المتجاوزة هي نقطة وجود خارج نطاق الطبيعة والمادة، وترمز للإله الواحد المنزه. المرجعية دي بتحافظ على مسافة بين الإنسان والطبيعة؛ لأن الإنسان كائن مكرم ومستخلف ومش مجرد ترس. على الناحية الثانية، المرجعية الكامنة بتعتبر الطبيعة والمادة مكتفية بذاتها وبتحوي جواها كل التفسيرات، فيتحول الإنسان لكائن طبيعي صِرف وتنهار المرجعية الإنسانية.
من هنا بتظهر "الواحدية المادية"، يعني كون مصمت بدون ثنائيات (خالق ومخلوق، إنسان وطبيعة، خير وشر) وكل شيء بيرد لمبدأ مادي واحد. النتيجة العملية إن المعرفة بتتضغط في الحواس بس، والأخلاق بتتحول لخدمة الاقتصاد والسياسة والمصلحة، والعلم بينفصل تماماً عن القيم والغايات.
4- العقل والمادة
كتير من الأدبيات المادية بتدعي إنها مع العقل ضد الخرافة، وتعتبر الدين خرافة. بالنسبة للفلسفة المادية، العقل عبارة عن صفحة بيضاء بتتراكم عليها التجربة. لو اتبعت الداروينية فعقلك نتاج تطور مادي، ولو اتبعت الماركسية فعقلك نتاج علاقات الإنتاج، وفي الحالتين العقل مالوش أصل متسامي.
العقل المادي الملتصق بالتجربة المادية بيصبح عاجز عن إدراك الكليات المتجاوزة أو إصدار أحكام أخلاقية وجمالية لأنها غير قابلة للقياس. العقل هنا بيتحول لما يسميه المسيري بـ "العقل الأداتي"؛ وهو عقل إجرائي بيسأل "إزاي نعمل الحاجة؟" وما يسألش "ليه نعملها وإيه غايتها؟"، فيتعامل مع الإنسان كمادة استعمالية وموارد وأرقام، ويبرر أي شيء باسم الكفاءة والتقدم.
في المقابل، فيه "العقل النقدي الكلي" اللي بيشوف الإنسان كيان مبدع قادر على التجاوز والموازنة بين الذات والموضوع. الأزمة الحديثة مش نقص في القدرات العقليّة، لكن في نوع العقل اللي بيقود العالم بآلية أداة جافة.
5- القفص الحديدي
الأفكار المادية دي ليها تجليات واضحة في واقعنا من خلال خمس مظاهر حاسمة:
أولاً: الداروينية الاجتماعية، ونقل قوانين الغابة والمنافسة البقاء للأصلح على المجتمع البشري، فتتحول القوة لمعيار رئيسي وتظهر الطبقية الحادة بين سادة وضحايا.
ثانياً: الترشيد والتشيؤ، يعني تحويل الإنسان لـ "شيء" وتسحيب القيم الإنسانية لعالم البضائع والآلات، فيعيش البشر جوه قفص حديدي خالي من أي مطلق.
ثالثاً: حلم السيطرة الكاملة ونهاية التاريخ، عبر ادعاء إن التكنولوجيا والعلموية الضيقة هيحلوا كل مشاكل البشرية، مع تجاهل طبيعة الإنسان الغير مادية.
رابعاً: عنصرية التسوية في مرحلة ما بعد الحداثة، وهي مساوات الإنسان بالطبيعة والحيوان وإلغاء أي قدسية أو تميز للنوع البشري.
خامساً: المادية والإبادة، لما يتحول الآخر لـ "مادة فائضة" مالهاش قيمة إنتاجية، فيبقى التخلص منه بالحروب أو الأزمات أمر منطقي ومبرر ببرود شديد طالما العلم انفصل عن القيمة والأخلاق.
